أحمد بن سهل البلخي

442

مصالح الأبدان والأنفس

وأمّا تدبيره من قبل ساعات الليل والنهار ، فقد علم أنّ الوقت المهيّأ له بالطباع إنّما هو الليل ؛ لأنّه ببرده وإظلامه منيّم بالطبع ، فالنوم فيه أمر طبيعي ، والنوم بالنهار أمر عرضيّ مختلف ؛ لأنّ اللّه - عزّ وجلّ - جعل الليل للسكون والراحة ، والنهار للحركة والانتشار ، كما قال : جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ « 1 » ، وقال : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً « 2 » . فتدبير النوم في أوقات الليل والنهار أن يكون النوم إذا كان ليلا وتعوّد الإنسان السهر - وكان من عادته أن يسهر ، ويحيي بعض ليله للمسامرة ، أو للمحادثة ، أو لحاجة من حاجاته - أن يجعل سهره في أوّل الليل ، وألّا يلحقه وقت نصف الليل إلّا وهو نائم فيه ؛ لأنّ ذلك الوقت هو وقت استحكام الظلام ، وهو الليل بالحقيقة ، فالنوم فيه / أنفع للبدن ، وأبلغ في تغذيته وتقويته من النوم فيما سواه من أوقاته . وكذلك يجب إن كان للإنسان سهر في بعض الليل أن يعقب ذلك بنومه عند السحر وقبل طلوع الفجر ، فإنّ اتصال السهر من آخر الليل بأوّل النهار ليس بصالح للأبدان ؛ لأنّه يفتّرها ويذبلها ، ومن أجل ذلك صار كلّ من الأصحّاء والأعلاء تميل طبيعته في ذلك الوقت إلى إغفاء ، وأخذ بحظّ من النوم ، فلذلك يجب ألّا « 3 » يحمل فيه الطبع على خلاف جبلّته . وأمّا إذا كان النوم بالنهار ، فالأفضل أن يكون في المتوسّط من ساعاته ، وهو وقت الزوال ؛ لأنّه الوقت الذي تنتهي فيه قوّة « 4 » النهار ، وينتهي فيه وقت الإنسان إلى غايته « 5 » من الحركة والتعب ، فيحتاج إلى الاستراحة والاستجمام ،

--> ( 1 ) القصص ، الآية 73 . ( 2 ) النبأ ، الآيتان 9 ، 10 . ( 3 ) في أ ، ب : لا يجب أن . والصواب ما أثبت . ( 4 ) في ب : قهوة . والصواب من أ . ( 5 ) في أ ، ب : غايتها . والصواب ما أثبت .